|
|
|
|
| دراسات وبحوث عن الفساد >> الإسلام واجه الفساد بتحريم أسبابه | 2010-07-26
متابعات الإسلام واجه الفساد بتحريم أسبابه
نسكويمن/الخليج
أكد عدد من علماء الإسلام وأساتذة الاقتصاد الإسلامي، أن الفساد الاقتصادي المتزايد في العالم والذي كشف عنه التقرير الأخير لمنظمة الشفافية العالمية سببه استبعاد الدين من حياة البشر، حيث أصبح كل شيء مباحاً ولو من دماء الفقراء . . وأشاروا إلى أن الربا هو الأب الروحي للفساد الاقتصادي، وقد اعترف بذلك كبار خبراء الاقتصاد من غير المسلمين . وأكدوا أن الإسلام قدم وسائل فريدة لمحاربة الفساد بكل أنواعه، وخاصة الاقتصادي الذي تسبب في كثير من الكوارث الاقتصادية العالمية، ومنها الأزمة العالمية التي مازال العالم يعاني منها .
عن تحليل أسباب الفساد الاقتصادي العالمي ومكافحة الإسلام له يقول الدكتور يوسف إبراهيم مدير مركز الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر: لا شك أن التجارة بكل أنواعها من أكثر الأنشطة الاقتصادية التي يدخلها الفساد بأشكاله، ولهذا حرص الإسلام على تحريم التجارة في كل ما هو محرم الانتفاع به شرعاً، كالخمور ولحوم الميتة والخنازير ووصلت درجة محاربة الإسلام لهذا الشكل من الفساد أنه لا يعتبرها مالاً لعدم جواز الانتفاع بها على وجه السعة والاختيار، وهو يحارب الفساد قبل وقوعه بسد منابعه، ما يوفر على المجتمع أعباء اقتصادية هو في غنى عنها .
ويستشهد الدكتور يوسف بأن مبدأ “الوقاية خير من العلاج” الذي يتبناه الإسلام يوفر كثيراً من النفقات، فقد أثبتت إحدى الدراسات أن مصاريف العلاج لضحايا شرب الخمر وتداولها تزيد على 65 مليون دولار سنوياً في الولايات المتحدة وحدها، وهذا إقرار بما قرره القرآن الكريم “وإثمهما أكبر من نفعهما” . ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لعلاج ضحايا لحوم الخنازير، وهنا تبرز حكمة التشريع الإسلامي في المحاربة الوقائية للفساد بكل أنواعه وخاصة الاقتصادي، بتحريم تجارة المخدرات وتجارة الأعضاء البشرية والرقيق الأبيض والسلاح الفتاك بالبشر والمبيدات الضارة والميسر والقمار وغيرها مما يضر الإنسان .
بيوع محرمة
ويعرض الدكتور عبدالهادي النجار، أستاذ الاقتصاد في جامعة المنصورة، وسائل أخرى من محاربة الإسلام للفساد الاقتصادي، مؤكداً أن أفضل وسيلة هي تحريم الأسباب المؤدية إليه، باعتبارها جزءاً من تشريعاته التي يثاب المبتعد عنها ويأثم فاعلها، مثل الربا والغش والاحتكار وتطفيف الكيل والإسراف والتبذير والبخل، وغيرها من الأسباب التي أدت إلى تفشي الفساد الاقتصادي الذي أدى إلى وقوع العالم في أزمات اقتصادية كبرى عبر تاريخه وحتى اليوم، والبديل الإسلامي في محاربة الربا وكل ما يؤدي إليه من مفاسد أخرى، يتمثل في صيغ جادة في توظيف المال في مشروعات تنموية حقيقية ضمن منظومة اقتصاد حقيقي له أصول ثابتة، وليس الاقتصاد الورقي الهش الذي تلد فيه النقود نقوداً في عمليات بيع غير حقيقية .
وعرض الدكتور النجار بعض أنواع البيوع المحرمة التي تعد شكلاً من أشكال الفساد الاقتصادي، منها على سبيل المثال لا الحصر عدم بيع المسلم على المسلم أو حتى غير المسلم لأن المبادئ الإسلامية السامية واحدة، فيقول صلى الله عليه وسلم “لا يبيع بعضكم على بيع بعض”، وحرم بيع أو شراء كل الأشياء المحرمة والنجسة، فقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام” . ونهى عن بيع النجش الذي يقصد به الزيادة في السلعة من دون قصد شرائها، وإنما ليشتريها العوام بعد أن يتم التغرير بهم، فقال صلى الله عليه وسلم “ولا تناجشوا” بل إنه نهى عن بيع ما فيه غرر حتى ولو كان سمكاً في البحر أو طيراً في الجو . وحرم بيع بيعتين في بيعة فلا يجوز للمسلم ذلك، وكذلك محرم عليه بيع الدين بالدين، إذ هو في حكم بيع المعدوم بالمعدوم، ولا يحل له أن يبيع شيئاً إلى أجل ثم يشتريه لمن باعه له بثمن أقل مما باع به، وهذا يطلق عليه “ربا النسيئة”، ونهى عما يسمى “بيع المزابنة” وهو بيع ما جهل وزنه أو عده أو كيله بشيء معلوم أو مجهول من جنسه، وغيرها من البيوع التي فيها غش أو خداع وسرقة .
“أبو الفساد”
واعتبر الدكتور حامد أبوطالب، العميد السابق لكلية الشريعة والقانون وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أن الربا “أبوالفساد” مثلما وصفت السنة النبوية الخمر بأنها “أم الخبائث”، وذلك لأنه يمثل قمة الرغبة في الكسب الحرام ولو على جثث البشر ومن دمائهم، ولهذا فإن المرابين هم بحق أساس كل أنواع الفساد الاقتصادي، لهذا ركز القرآن على تحريمه وتوعد من يستحلونه بالخسران في الدنيا والآخرة، فقال تعالى “يمحق الله الربا ويربي الصدقات” وقد اعترف الاقتصاديون غير المسلمين أن القروض الربوية أصل الفساد وما أدى إليه من فقر وبطالة واحتكار وغش .
وأكد أن الإسلام لا يقبل ربحاً فيه ضرر للغير أو ربحاً لا يقابله عمل أو ما يطلق عليه “الاقتصاد الوهمي” القائم على أكل أموال الناس بالباطل، بكل ما تعني هذه الجملة من معان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم “أفضل الكسب بيع مبرور وعمل الرجل بيده” . وهذا الكلام ليس مجرد شعارات بل إنه طبق على أرض الواقع في عهد الحكام المخلصين، حتى وصل الأمر في عهد عمر بن عبدالعزيز إلى أن الزكوات والصدقات لم تجد من يأخذها، بعد أن حققت الاكتفاء التام للناس وأشبعت جميع احتياجاتهم ومتطلباتهم ولم يأت هذا من فراغ، وإنما بعد أن تم سد أبواب الفساد، وكان عمر بن عبدالعزيز قدوة لرعيته في الزهد والتقوى” .
مبدأ المحاسبة
ويؤكد الدكتور محمد نبيل غنايم مدير مركز الدراسات الإسلامية في جامعة القاهرة أن الشريعة الإسلامية لم تكتف بتشديد العقاب على المفسدين فقط، بل نبذت كل أنواع الفساد وليس الفساد الاقتصادي فقط، ولهذا قال تعالى “ولا تعثوا في الأَرض مفسدين” . ولابد أن يستشعر الحاكم أو ولي الأمر المسؤولية عن حماية رعيته من الفساد والمفسدين، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع” فلابد أن يكون هناك توازن بين الأجر والإنتاجية، حتى لا يكون هناك إثراء بلا سبب ويقابله ظلم في الأجر . وأقر الإسلام مبدأ المحاسبة “من أين لك هذا؟” ويبدأ الراعي بتطبيقه على نفسه قبل غيره، فقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحاسب الولاة حساباً شديداً، فيحصي ثروة الوالي قبل العمل وأثناء العمل، فإذا ظهرت زيادة غير مبررة أخذها منه وردها إلى بيت المال . ومن الأقوال المأثورة عن الفاروق عمر “لو رتعت لرتعت الرعية” . وفي الوقت نفسه لابد أن يحسن الراعي اختيار مساعديه على أساس الكفاءة وليس المجاملة أو المحاباة، فهذا الصحابي الجليل أبوذر الغفاري وهو من المقربين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له: يا رسول الله ألا تستعملني؟ وأكمل أبوذر وصف رد النبي عليه قائلاً: “فضربني بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها” .
وحذر الدكتور غنايم من التلاعب بالكلمات التي تبرر الفساد الاقتصادي أو تعطيه صبغة مقبولة اجتماعيا، مثل إطلاق كلمة هدية أو إكرامية على الرشوة التي لعن الله كل أطرافها، فقال صلى الله عليه وسلم “لعن الله الراشي والمرتشي والرائش” أي الذي يمشي بين الاثنين . ولهذا لابد من قراءة السيرة النبوية التي حارب الرسول صلى الله عليه وسلم من خلالها عملياً كل صور الفساد” .
الرقابة الذاتية
ويشير الدكتور محمد الدسوقي، أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة القاهرة، إلى سلاح إسلامي فعال في مواجهة الفساد بكل أشكاله بما فيه الفساد الاقتصادي، لا يعتمد على القوانين أو ما يطلق عليه شرعاً العقوبات التعزيرية فقط، بل إنه يعتمد على ما هو أهم وهو الرقابة الداخلية لدى الفرد المسلم في الامتناع عن كل المحرمات، لأنه يستشعر رقابة الله له في السر والعلن، والمتمثلة فيما نطلق عليه الضمير الحي المرتبط بالله القائل “أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون” . وقوله تعالى كذلك “وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور” .
وأنهى كلامه بالتأكيد على أن هذه الرقابة الذاتية تجعل المسلم يمتنع من تلقاء نفسه عن الفساد، وهذا من أهم الإجراءات الوقائية لمكافحة الفساد في الإسلام، وغير موجود في أي شريعة أخرى أو في أي نظام وضعي لمكافحة الفساد في العالم، ولهذا فإنه لابد من غرس الوازع الديني لدى الأفراد ابتداء من التنشئة الإسلامية في الأسرة، ومن خلال وسائل الإعلام باستضافة العلماء المتخصصين في علوم الشريعة والاقتصاد، لتسليط الضوء على هذا الداء وعواقبه الدنيوية والأخروية وآثاره المدمرة على الفرد والمجتمع . |
|
 |
|
|
|
|
|
|