الشرق الأوسط... إخضاع الفرد وهيمنة الفساد
نسكو/الاتحاد
عنوان هذا الكتاب: "ما هي المشكلة حقاً بالنسبة للشرق الأوسط" يلفت النظر بشيء، وهو أنه لا ينتهي بعلامة استفهام. ويرجع ذلك لحقيقة أن مؤلف الكتاب، "برايان ويتيكر"، لا يتساءل عن الكيفية التي يمكن بها جلب السلام والاستقرار لتلك المنطقة، وإنما يخبر قراءه عنها. والمؤلف يفحص مشكلات الشرق الأوسط، ليس عن طريق المستوى الحكومي من خلال الثنائيات المعروفة مثل الديمقراطية في مقابل الاستبداد، والعلمانية في مقابل الأصولية وما إلى ذلك، وإنما على المستوى المجتمعي أي من خلال دراسة تلك المشكلات في كل مجتمع عربي على حدة. ويبدأ المؤلف كتابه بالتأكيد على نقطة مهمة، وهي أن الأطفال العرب ومنذ ولادتهم يتعلمون ألا يسألوا في المدرسة عن الأشياء التي لا يعرفونها، وألا يبحثوا عن المعلومات بأنفسهم بل أن يستقبلوا الدروس التي تُلقى عليهم، ويستظهرونها، ثم يفرغونها في أوراق الامتحان. ليس هذا فحسب بل إن مصححي الامتحانات في البلاد العربية، لو وجدوا في ورقة الإجابة إجابات تختلف عن تلك الإجابات النموذجية المحددة للأسئلة المختلفة، فإنهم لا يمنحون الطالب الدرجة الكاملة، حتى لو كانت تلك الإجابة البديلة صحيحة. القصد أنه يجري إعداد هؤلاء الطلاب معرفياً منذ البداية للعيش في مجتمعات منظمة تراتبيا بشكل صارم، وتوجد بها خطوط سلطات واضحة، وعلاقات قرابية، ترتب عليهم التزامات معينة.
وهذا لا يقتصر على المدرسة فحسب، بل يمتد إلى المنزل، حيث يتلقى الأبناء ذات التعليمات والتوجيهات تقريبا، ويطلب منهم ألا يناقشوا آباءهم في أي شيء، بل يكتفون بتلقي الأوامر منهم، والامتثال لطاعتهم.
لكن هذه المقاربة -إخضاع الفرد للمجتمع- لها وفقاً لرأي المؤلف وجهها السلبي، حيث أدت إلى تفشي مفهوم "الواسطة" الذي يعني الفوائد والمنافع التي يحصل عليها بعض الأشخاص دون استحقاق بسبب معرفتهم أو قرابتهم لشخص أو لأشخاص من ذوي النفوذ، كإنجاز معاملة جواز سفر خلال ساعات بينما يستغرق ذلك عادة عدة أيام بالنسبة لغيرهم، أو الحصول على وظيفة براتب مرموق بينما يعاني آخرون ممن لا يمتلكون الواسطة للحصول على مثل تلك الوظيفة. مثل هذه الممارسة تشيع الاعتقاد لدى البعض بأنه يمكنه الحصول بسهولة على فرصة لا يستحقها، كما تشيع اليأس لدى البعض الآخر من إمكانية حصوله على ما يستحقه، وتمنع من نشوء جماعات مدنية حريصة على مراقبة الالتزام بالقوانين، كما تغذي الفساد الذي ينتشر في كافة مفاصل الحياة في الشرق الأوسط.
ويطرح الكاتب ملاحظات قيمة عن الطريقة التي تواطأت بها الحكومات الغربية، مع الأنظمة الاستبدادية الحليفة لها في تلك المنطقة، وكيف سمحت لها بالاستمرار في الحكم، بعد القيام بإصلاحات ديمقراطية شكلية، سوغت لتلك الدول الغربية أن تسمى تلك الدول -زيفاً- بالديمقراطيات البازغة!
ويسرد المؤلف بعض الوقائع التي تدعم حجته، ومنها أن قانوناً قد صدر في دولة شرق أوسطية بضرورة وضع طفاية حريق في كل سيارة، لتبين أن الوزير الذي نجح في تمرير القانون كان يملك مصنعاً لإنتاج تلك الطفايات، وأنه باع كل الكميات المخزنة بعد صدوره. كما يتناول الكاتب موضوعات أكثر جدية، وخطورة، ومنها أن دولة أخرى تعاملت بطريقة صادمة مع إحدى الأقليات التي طالبت ببعض حقوقها المهضومة.
ويعرب الكاتب عن دهشته من أن تفشي الرشوة، وانتشار الفساد، في كثير من البلدان لا تؤدي، رغم ما تسببه من ضيق وغضب شعبي، لأي رد فعل من جانب تلك الشعوب لتغيير الأوضاع. بل إن العكس تماما هو الذي يحدث حيث تميل تلك الشعوب إلى التعايش مع الفساد، وهو ما يساعد على إطالة عمر الكثير من الأنظمة الفاسدة في المنطقة.
ورغم إشارة الكاتب المتكررة إلى منظمات حقوق الإنسان والدور الذي يجب أن تضطلع به، وعلى مبدأ العالمية، فمن الواضح أنه يؤمن بأن المفتاح الأساسي لتحسين الأوضاع في الشرق الأوسط هو سيادة مبدأ العدالة، والحقوق المتساوية للجميع. كما يرى أن الأحوال تستدعي تعزيز مبدأ المواطنة لكي يحل تدريجياً محل الولاءات التقليدية، وبحيث يكون هذا المبدأ هو الأساس الذي يتم عليه توفير الأمن والخدمات الأساسية للجميع بصرف النظر عن مكان ولادتهم أو جيناتهم الوراثية. فنشر هذا المبدأ في ربوع الشرق الأوسط وجعله أساساً لكل القوانين والممارسات هو التحدي الرئيسي في هذه المنطقة.
سعيد كامل
--------
الكتاب: ما هي المشكلة حقاً بالنسبة للشرق الأوسط
المؤلف : برايان ويتيكر
الناشر: دار الساقي
تاريخ النشر: 2009